محمود سالم محمد
375
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
قصيدة في قصيدة واحدة ، وليتمّ له ذلك ، وليتغلب على مشكلة الوزن والقافية ، حاول الاحتيال لذلك ، والاجتهاد في إخراج كلمات القافية على ما جوّزه علماء العروض ، فأتت القصيدة في غاية التكلف والتصنع ، بدأها بقوله : إذا لم أزر قبر النّبيّ محمّد * وأسعى على رأسي فإني مرجأ - معنّاه - أعتب - معنّت نبيّ له فضل على كلّ مرسل * وآياته في الكون تتلى وتنشأ - وبشراه - تطرب - تنعت رقى في السّماوات والعلا فتشرّفت * به ودنا من قاب قوسين ينبّأ - قرباه - اقترب - يثبت « 1 » ويمضي هكذا في قصيدته حتى ينهي أبياته الثلاثين ، وبعد نهاية كل بيت يثبت ثلاثين قافية بديلة ، وكأن القافية هي تحصيل حاصل ، يمكن أن يأتي الشاعر بأية كلمة لها وزن مناسب وتنتهي بحرف القافية ، ويثبتها ، أما ارتباط القافية بمجمل كلمات البيت ، وبالمعنى والصياغة والتعبير الشعري ، فإنه أمر لا يعتد به . وهذه نتيجة الاتجاه نحو الصنعة المتكلفة ، والشكلية الطاغية التي طبعت شعر بعض من شاركوا في نظم المدح النبوي . إلا أن هذه الشكلية في قوافي قصائد المدح النبوي ، على الرغم من وجودها الظاهر ، لم تطغ على المدح النبوي كله ، فظل القسم الأكبر من المدائح النبوية طبيعيا في قوافيه ، وبعضها وصل إلى حدّ الروعة في الخفة والطلاوة ، والانسجام مع عناصر القصيدة كلها ، مثل قصيدة البوصيري التي مطلعها : الصّبح بدا من طلعته * واللّيل دجا من وفرته « 2 » ومثل قول الشهاب محمود :
--> ( 1 ) ابن دريهم الثعلبي : قصيدة في مدح الرسول ، ورقة 2 . ( 2 ) ديوان البوصيري : ص 275 .